خردة وقت

 

 

في لسان العرب، أن المُخْرِد: الساكت من ذُلٍّ لا حياء. ولابن الأَعرابي: خَرِدَ إِذا ذَلَّ، وخَرِدَ إِذا استحيا، وأَخْرَدَ إِلى اللهو: مال، أما في مقاييس اللغة، فقد ذكر ابن الأعرابيِّ: يقال أخردَ الرّجُلُ: إذَا أقلَّ كلامَه.

وفي لهجتنا الخليجية، يطلق أهل الحجاز لفظ “الخردة”، بضم الخاء، على البضائع الصغيرة غير المتراكبة، ويجمعونها بلفظ “الخردوات”، ونحن في البحرين – وربما أهل قطر والكويت والمنطقة الشرقية أيضا وغيرها من المناطق – نطلق لفظ الخردة، بفتح الخاء، على فكّة النقود، فتسمى الورقة النقدية ذات الفئة الكبيرة “نوط”، وتسمى العملات المعدنية المسترجعة من عملية بيع أو شراء “خردة”، يتنازل المبتاع غالبا عن خردته، أو يهبها طوعا للعامل الذي يحمل الأغراض، أو يضيف إليها خردة أخرى، الخردة في أغلب الأحيان، بقايا الأموال وفضولها، تلك التي لا يأبه لها صاحبها إن هي بقيت في حوزته أو وُهبت لغيره.

أما خردة الوقت، ففرق كبير بينها وبين خردة المال، خردة المال إن وهبت، فإنها توهب تقديرا عن طيب نفس، يسعد بها الموهوب دون أن تؤثر على الواهب، بينما لخردة الوقت شأن آخر، أرجو أن أوفق في توضيحه، وتوضيح موقفي منه.

خرج أبو سليم بعد منتصف الليل، وقد بقي متقلبا يريد النوم فلم يفلح، ذلك أنه بطّال، قضى نهاره نائما فأنى يأتيه النوم ليلا؟ خرج متسكعا بين طرقات الحي لا عمل له ولا هدف، فإذا برجل يخرج من منزله وكأن أمرا قد أهمه، تبعه أبو سليم، فإذا هو أبو حسين، ركب سيارته مستعجلا فتبعه أبو سليم، وصل إلى الصيدلية، دخل إليها وخرج ولا يزال مستعجلا، فاستوقفه أبو سليم، ليسأله عن حاله وما أخرجه في هذه الساعة، علم أبو سليم، أن حسينا قد ارتفعت حرارته وأن أباه ما خرج في هذه الساعة إلا لإحضار الدواء، غير أن أبا سليم، بقي يجر الأحاديث جرا، وهو الأرِق الذي يحاول تصريف الليل مستعجلا طلوع النهار، اعتذر أبو حسين وعاد مسرعا إلى المنزل، فهو الأب الذي أرّقه مرض ابنه، فخرج طالبا للدواء، لعل الله يكتب به الشفاء.

الوقت عند أبي حسين، ثمين جدا، كل دقيقة منه لها حسبتها وقيمتها، بينما الأمر عند أبي سليم، ليس سوى “خردة وقت”، بقية وقت يريد تصريفها بأي شكل من الأشكال، مهما يكن ذلك على حساب الآخرين الذين لا يشاركونه لا في الظروف ولا تقدير الصروف.

مثال آخر، إن كنت عزيزا عليّ، ذا شأن وقدر، فإني سأكون سعيدا جدا بلقاء ما، يجمعني بك ذات يوم، نطيل فيه الحديث ونتبادل أطرافه، وربما سأكون أسعد لو تخلل لقاءنا وقت لشرب الشاي أو تناول وجبة عشاء خفيفة تظللها أحاديث الود والصداقة.

أما أن يكون أصل اللقاء مبنيا على: لست مشغولا؟ تعال نهدر الوقت إذن! فتلك خردة وقت لا أقبل أن أكون ضحية لها، ولا أرضى أن أكون مطية لفراغ غيري.

أحاول دوما أن أعطي أحبتي، من خلاصة وقتي وأثمنه، لقناعتي أن الشخص ثمين القدر، لا يجب أن يهدى إلا من ثمين الوقت وأنفسه، ثم يؤسفني أحدهم، ممن عددته من نفائس المعارف، بتكرمه علي ببعض من خردة وقته، محتجا بكثرة الانشغالات وزحمة الارتباطات، في الوقت الذي يعطي “أنواط” وقته لكل شيء، كل شيء دون استثناء، ولا عجب، فالأولويات كما توزع على الانشغالات، فإن لها توزيعا مشابها على الأشخاص، وقد جعلت – أنا – بعض الناس في قائمة الأولويات، بينما اختلفت قائمة أولوياتهم عن القائمة الخاصة بي، وتلك سنة الحياة.

لا أعتب هنا على أحد بعينه ولا أقلل من أولويات أبي سليم أو أبي حسين، كما لم أزعل أبدا من تصرف صاحبي الذي نثر علي من خردة وقته غير مبال بثمين وقتي الذي كنت أهبه منه فيما مضى، إلا أنني، كلما جاد أحدهم علي بفضول وقته وخردة دقائقه، راجعت نفسي في سابق عهدي معه، وأعدت حساباتي ومفضلة اتصالاتي ومراسلاتي، لأنزل منها من تربع في قمتها دون استحقاق، وأرفع فيها، من جاد علي كرما منه وحبا، ولا يزال يجود، بأنفس أوقاته، وأجود ألفاظه ومنتقاها، لا سبب له في كل ذلك، إلا محبته الصادقة وأخلاقه الفائقة، وقبل ذلك، حفظه الكريم، لعهد الوصال القديم.

 

26 سبتمبر 2017

ضمن تصنيف أحاديث النفس, شبابي, فلسفة, من الواقع | لا تعليقات »

أضف تعليق: