أسوار

لا يزال الغموض يلفّ ذلك البيت بسوره المتهالك، كلما تذكرته، عدت إلى نسج القصص والخيالات عنه، فتارة يخيل إلي أنه بيت مسكون بالعفاريت لا يجرؤ البشر على الدخول إليه، وتارة تتخذ الأحداث منحى آخر، فيتمثل لي شيخ طاعن في السن لا ولد له ولا وارث، قضى نحبه في ذلك المنزل، ثم ارتحل إلى حيث يرتحل الأموات، وبقي منزله ناعيا له حتى اليوم.

كنت صغيرا، تساءلت كثيرا وسألت، عن سر البيت المهجور، غير أني لم أجد إلا الجواب المعتاد: “ربما توفي صاحبه، أو انتقل إلى منزل آخر“، لم يكن أحدنا ليجرؤ على أمر، يفوق اختلاس النظر من خلف السور، الخيال، هو السجن الذي تقبع الجرأة بين جدرانه، ولعله منسوج من تبعات الأحاديث التي سمعناها والقصص التي رويت عنه والأساطير.

كبرنا اليوم وكبرت المفاهيم التي توحي لنا بها الأسوار في مدينتنا، بل وفي كل مكان من حولنا، الأسوار، أصبحت اليوم رمزا للغموض، وفي أحيان أخرى هي رمز للجشع، وقد تكون رمزا للمعاناة، أو رمزا للاستبداد والظلم أيضا، والمفارقة العجيبة أنها رمز للحرية في ظروف أخرى.

مررت بسور عظيم ذات يوم، سور مرتفع تزينه الأضواء وينتشر حوله الحراس، ذلك السور، لم ينته إلا بعد أن قطعت بمحاذاته مسافة لا يستهان بها في وطني الصغير، “ما الذي بداخله يا ترى؟” السؤال ذاته يتكرر، بداخل ذلك السور، خدم وحشم، وعبيد وجوار، ورجال ونساء يتكئون على أرائك لهم وتمد أمامهم صنوف الأطعمة والمشروبات، هذا يأمر وتلك تنهى، هذا يصرخ والعبيد من حوله يسيرون طوعا لما يأمر، هكذا يرسم الخيال الصورة داخل السور العظيم، وكيف لا، ألم يبن ذلك القصر على أرض لا يملكها صاحب البناء؟ فليس بمستبعد ما يرسمه لي الخيال إذن.

قبل أعوام، في بلد عربي شقيق، مررت على سور عظيم آخر، يحيط بأرض شاسعة لو بني عليها ألف بيت من بيوتنا لكفتهم، يتوسط الأرض قصر بعيد، بني على أرض مرتفعة تصعد إليها الطرق المعبدة من كل صوب، وعلى الجانب بيت صغير ربما أعد للخدم والموظفين، ذلك القصر، لم يعد سوى أطلال، الباب الحديدي موصد، والسلاسل تقيد أطرافه، أين ذلك الذي أراد أن يسكن القصر، من قصره المهجور؟ سألت أهل البلد من معارفي فقالوا: ذلك رجل من المتنفذين، استغل منصبه واغتصب الأرض وبنى عليها قصره هذا، وقبل أن يكتمل، غضب عليه أربابه الذين اغتنى برضاهم من قبل، فسلبوه أرضه وقصره، وبقيت القصة والعبرة لمن كان له قلب.

على الأسوار، يطلق المقهور إبداعه الكامن، ليرسم صورة أو يكتب جملة، ينفس بها عن غضبه ويزيح بعض همه، يبوح مرة على السور، لينشر السور قصته وكلمته كلما مر عليه أحد، تمعنوا فيما يُكتب على الأسوار، مهما يكن الظاهر مضحكا، ثمة دافع أرغم أحدهم على الكتابة، الحب أحيانا، والهم أحيانا، والظلم والقهر في أكثر الأحيان.

تفصل الأسوار في عصرنا هذا بين أبناء آدم، تمنع الفقير عن حقوقه، وتفصل السجين عن حريته، وتحرم المريض من علاجه حتى تصعد روحه إلى بارئها حيث تجتمع الخصوم، في بعض أوطاننا، تُحرم الأم لقاء أبنائها بفعل الأسوار، وبفعلها أيضا، يموت شعب كامل بسبب الحصار داخل الأسوار، وما استعاد قوم سعادتهم، إلا بتحطيم الأسوار الجاثمة على صدورهم قبل أرضهم، كما فعل الألمان من قبل.

حتى في الآخرة، ستفصل الأسوار بين الظالم والمظلوم، وبين المؤمن والمنافق، فلا ينفع المتكبر حينئذ كبره وجبروته، ولا أملاكه ولا أعوانه، لن ينفعه امتداحهم له وتزكيتهم إياه، فلكل منهم يومئذ شأن يغنيه عن غيره، “يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ“، سورة الحديد الآية 13.

 

 

Buyaser03

22 مارس 2015

ضمن تصنيف أحاديث النفس, إسقاط, خواطر, خيال, فلسفة, من الواقع | تعليق واحد »

تعليق واحد على “أسوار”

  1. عبدالله المناعي يعلق:

    مقال جميل وسرد سلس يجرك لاكمال ما بعده

    احسب نفسي عرفت من هو صاحب القصر

    نه الـ ح ل …..

    على فكرة ذكرتني بقولة شخص يعمل عند مستنفذ

    قال ذات يوم سأذهب لادارة الحلال .. ثم قال بصراحة لا اعلم حلاله ام حرامه !

أضف تعليق: