يوم الوطن

DAYOFWATAN

الوطن، هو الكلمة الحانية التي يهفو إلى ترديدها كل محروم من حضن الوطن، هو الأرض والتراب، هو الأهل والأصحاب، هو الطفولة والذكريات، هو الأمس بكل ما فيه من الآلام والمسرّات، وهو اليوم، اليوم بحلمه الكبير، وواقعه المرير.

الوطن، هو لساني الذي أتحدث به، يعرفني به الناس فيزيدني ذلك فخرا وقدرا، هو لباسي الذي أعتز به ولا أرضى له بديلا، هو أمي وأبي، وبيتنا الصغير الذي اجتمعت فيه أسرتنا، هو “إحداثيات” حفظناها في قلوبنا، في كل نقطة كان لنا لقاء، أو قصة أو عثرة أو ضحكة أو كدر أو صفاء.

الوطن، هو الملتقى الذي نجتمع عليه – جميعا – كلما دب الخلاف بيننا، هو الرابط المشترك الذي يجمعنا كلما تفرقنا في الآراء والمسميات، هو القلب النابض، والصدر الحنون، كل طعنة توجه إليه، تدمينا نحن، أبناء الوطن، رجاله ونساؤه وصغاره وشيوخه، نهرع إليه من كل صوب، فلا تصل إليه طعنة غادر ولا ضربة خائن.

الوطن ليس شخصا واحدا، ولا أسرة واحدة، بل هو ألوف البشر الذي عاشوا على أرضه، وترعرعوا فيها، هم الذين بنوه وصنعوا له مجده ومكانته، وأعلوا بين العالمين مقامه ورايته، تراهم في نشوة الأفراح كلما تحقق للوطن إنجاز مهما يكن الإنجاز صغيرا، أو في غمرة الأحزان إذا مس الوطن ضرر ما أو تطاول عليه حاقد وتداعى عليه المفسدون.

الوطن، قد يتمثل في أم طاعنة في السن، لا يعرفها أحد، تلهج بذكر الله، تدعو للوطن بقلب صادق محب، وهي تعيش أيامها الأخيرة. أو في شيخ وقور، غرس في هذه الأرض غراسه الخيرة، حتى أنهكه التعب واشتد عليه الوصب، ورغم ذلك، لا يفتؤ يحث على البناء والعمل، ويدعو إليه ويسعى فيه.

الوطن، شباب صاعد طموح، لم يرض لنفسه أن يقعد مع القاعدين، فانطلق عاملا متعلما، يضع في كل مكان بصمة تدل على حبه لوطنه وصدق ولائه، ربما يجهله الناس، أو قد يكون أصغر من أن يعرفه الكبار، ولكنه هو، يعرف نفسه، ويعرفه وطنه، لم يقبل أن يمر في هذا الوطن ويرحل منه دون أن يصنع فارقا ويحقق غاية، لا ينتهي من عمل، إلا وانطلق في عمل آخر.

الوطن، طفلة تلوح بعلم بلادها، تردد اسمه وتغني له، تغضب بفطرتها كلما سقط العلم على الأرض، فترفعه لتنفض عنه الغبار، وتقبله لتلوح من جديد، تعود لابتسامتها، فيعود الوطن مبتسما سعيدا، تماما كسعادة هذه الصغيرة.

هذا هو الوطن الذي أعرفه، وهذا هو يوم الوطن الذي يتكرر في حياتي كل يوم، تربيت على حب الوطن، وسأربي أولادي على ذلك، سأعلمهم أن الزمان كله للوطن، وأن يوم الوطن، هو العمر كله، بكل ما يمر عليه من ظروف الشدة والرخاء، وأن حب الوطن يتجلى بالعمل الصادق، وليس بالنفاق والرياء، ولا بالرقص والغناء، وأن الوطن حب خالد لا يرحل برحيل الأشخاص، يحبنا ونحبه، يحملنا فوق ظهره في كل حين، حتى إذا رحلنا من هذه الحياة، ضمنا إليه بحبه المعهود، وأدوعنا باطن قلبه، ليكمل غيرنا مسيرته في حب الوطن.

 

Buyaser

21 ديسمبر 2014

ضمن تصنيف أحاديث النفس, خواطر, فلسفة, من الواقع | 5 تعليقات »

5 تعليقات على “يوم الوطن”

  1. ياسر الحسن يعلق:

    لا فض فوك ياخوي .. كلام رائع .. الله يحفظ لنا وطنا من كل سوء ❤️

  2. بوعائشة يعلق:

    سلمت يمينك 🙂

  3. بوتميم يعلق:

    جميل كما أنت يا بو ياسر ..
    لا فض فوك وسلمت يمناك …
    حفظ الله وطننا من كل مكروه

  4. عبدالله بن هود يعلق:

    مستواك احترافي
    حاول تنشر على مستوى اعلى

  5. بوهمام يعلق:

    أبدعت يا بوياسر
    وجزاك الله خيرا على هذا الشعور، فعلا حب الوطن ليس فقط أقوال وغناء، بل هو أقوال وأفعال بل أرواح تبذل.
    أسال الله أن يديم الأمن والأمان علي بحرين المحبة في كنف آل خليفة وأبناءها البرره، وأن يكفيها شر أبناءها المتبنين العاقين المنحرفين.

أضف تعليق: