♥ تفاؤل ♥

 

سلبيّ أنا جداً، رغم أني لم أعتقد ذلك في نفسي يوماً، إنها ظروف الحياة، غيرت فيّ النظرة الإيجابية السابقة واستبدلتها بنظرة أخرى متشائمة سلبيّة، تبحث عن الظلام في كل حين، وتهمل النور مهما شعشعت أنواره.

سلبيّ في داخلي، وقد كنت أظن أن هذه السلبية التي سيطرت علي لا تضر أحدا سواي، حتى تيقنت بأنها لا تضرني بقدر ما تضر الناس حولي، تضر والدتي وتحزنها، تضر أقراني وصحبي، وتضر الصغار الذين يرون فيّ أخاً لهم، سلبيتي، تقتل الإبداع فيمن حولي، تقتل الأفكار وتعمي الأعين والأبصار، عن مصادر النور، حيث يكمن الأمل.

كثيرا ما كنت أتحدث بإيجابية مصطنعة، أحاول ألا أنقل سلبيتي لغيري، لكن تلك الخدعة سرعان ما تتضح للآخرين، فيظهر الوجه الحقيقي الذي حاولت إخفاءه عنهم، ولأن الناس من حولي طيبون جداً، ومميزون حقاً، فإنهم يتغاضون عن ذلك، وكأن شيئا لم يكن.

لا أحب أن ألقي اللوم على شيء ما، ولا أفضل أن أنسب عيوبي لظروف أو مسببات، مهما كان البحث في الأسباب أمرا جيداً، غير أني أعرف نفسي، سأجد شماعة أعلق عليها عيوبي، وأنسلّ من تحت العيوب كأنني بريء من نفسي، سأحاول عندئذ أن أصور نفسي – لنفسي – ملاكاً لا يخطي، سأحاول أن أقنع نفسي السلبيّة، أن الشياطين قد حاكوا لي المكائد ورسموا ضدي الخطط، وأنّي أنا، ضحية كيدهم، ولكن الواقع الذي أعرفه ليس ذاته الواقع الذي سأحاول إقناع نفسي به.

إنها حرب مع النفس، نفس ضعيفة تعرف كمّ السوء الذي يرتديها أو ربما ترتديه، ولكنها مع ذلك تحاول جاهدة أن تثبت غير ذلك، وما أسهل الإثبات لو كان للآخرين، لكنه إثبات للنفس، وأنى له أن يكون سهلاً.

ولأن رحلة التفكير طويلة قد لا أجد خلالها مستراحا ولا وصولا، فقد قررت قراراً صارماً مع نفسي، قررت أن أنشر التفاؤل، وأجعله لحياتي موضوعاً، وأن أتجنب الحديث مع الآخرين كلما وجدت في نفسي شيئا من السلبية، ثم أسرف في الحديث وتبادل الأفكار كلما كان التفاؤل لي حليفاً.

سأكتب قصص التفاؤل التي سمعتها وعشتها وعرفتها، وسأهمل القصص الأخرى التي لا تزيد المرء إلا هماً وكمداً، سأجعل قضيتي الأولى، الدفاع عن نفسي، نعم، سأدافع عن نفسي المتفائلة في يوم ما، علّها تعود إلى التفاؤل من جديد، حتى أكون في ذلك معلماً صادقاً، يؤمن بما يقول، ويسعى لتحقيق أهدافه مهما بعدت، يعلمها للناس وينشر فيها رسالته.

حقيقةً، لمجرد وصولي إلى هذا السطر، أجد أن الشعور مغاير جداً للشعور الذي بدأت به موضوعي، نعم، التفاؤل أمر لابد أن نحدث به أنفسنا، وألا نظلم أنفسنا بحرمانها منه، التفاؤل خير صديق لنا في رحلات النجاح، يصفق لنا بعد كل إنجاز، يجعلنا ندرك قدرنا مهما تنكر له الآخرون، هو الباعث على التبسّم رغم الهموم، والدافع إلى الإنجاز رغم الصعاب.

التفاؤل، هو الخيال الذي رسمه الناجحون لأنفسهم وتصوروه، فسعوا لتحقيقه ونالوه، ولو أنهم تصوروا غيره لراوحوا في أماكنهم، أو ربما تراجعت خطواتهم فيما يتقدم الآخرون نحو النجاح.

التفاؤل، دعوة الطامحين، ووسيلة الناجحين، ورسالة الفالحين، يغضون أبصارهم عن المثبطات رغم يقينهم بوجودها، ويتطلعون إلى قمم الغايات رغم صعوبة بلوغها، حتى إذا مرت الأيام ودارت السنون، علوا بهمتهم وأرواحهم، وبقي المثبطون في ضلالهم القديم.

 

23 ديسمبر 2012

 

 

ضمن تصنيف أحاديث النفس, خواطر, فلسفة, من الواقع | 6 تعليقات »

6 تعليقات على “♥ تفاؤل ♥”

  1. بثينة يعلق:

    أعجبني جداً،
    بانتظار رؤية انعكاسات وآثار التفاؤل على شخصيتك المبدعة

  2. بوأحمد يعلق:

    أبكاني ♥ تفاؤلك ♥ يا رفيق القرآن،،
    وكم نحن عطشى لهذا التفاؤل..

  3. عبدالله بن هود يعلق:

    كالعادة موضوع جميل اخر من بو ياسر

    عمار فعلاً انا وصلت لنفس النتيجة وهي ان التشاؤم طاقة سلبية تنتقل الى غيرك
    وياليتها تنتقل لاعدائنا ( المنافقين مثلاً ) لكن للاسف تنتقل لاحبابنا ولاشخاص يعتبروننا قدوة او امل !
    انني احاول الا انقل التشاؤم الذي يحمل الكابة والحزن لمن احب
    بل سأحاول باذن الله تعالى ان اصبح من المتفائلين

    مثل هذه الكتابات ترقى وبجدارة لان تكون في صفحات الجرائد
    ( عزيز قارئ التعليق قارن بين هذا المقال ومقالات الجرائد المعلبة ان صح التعبير )

    غدا يوم جديد … اللهم اجعل يومنا خير من امسنا واجعل غدنا خير من يومنا

  4. ناصر نبيل يعلق:

    دايما مبدع يا بوياسر و واصل تألقك الابداعي عساس نستفيد اكثر و اكثر

  5. حمد نجم يعلق:

    رائعة من روائعك بوياسر …
    لا أذكر أنني يوماً قد رأيت علامة من علامات التشاؤم أو بدر منك قول أو فعل يدل على ذلك
    حفظك الله أخي الحبيب 🙂

  6. محمد الكمالي يعلق:

    لقد استمتعت وأنا أقرأ هذه الخاطرة والتي فعلاً تبعث بالتفاؤل ، وما شدني إليها كثيراً هي الصراحة التي طغت عليها ، وفعلاً حتى المتفاؤل يصاب بالسلبية والتشاؤم لكنها فترة قد تكون قصيرة ، لأنها لو طالت غدت اكتئاب (مرض) وأتفق معك أنه يجب علينا إظهار التفاؤل للآخرين فالذين يعيشون حولنا لا دخل لهم في تعاستنا أو الحالة النفسية التي نمر بها.
    أشكرك أخي على هذه الأفكار والأسلوب في طرحها.

أضف تعليق: